أمن وسلاح

س1- هل يسعى الاحتلال من خلال التصعيد إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل استئناف المفاوضات؟
نعم، هذا هو أحد الأهداف الأساسية للتصعيد الحالي. إسرائيل لا تريد أن تذهب إلى الجولة المقبلة من المفاوضات وهي واقفة عند النقطة نفسها التي انتهت عندها الجولة السابقة، بل تريد أن تسبق المفاوضات بتغيير الوقائع على الأرض، ثم تدخل إلى الطاولة لتفاوض على الوقائع الجديدة لا على الاتفاق الأصلي.
وهذا يفسر التركيز على علي الطاهر ومحيط النبطية. فالتقارير الأخيرة تتحدث صراحة عن محاولة إسرائيلية للسيطرة تدريجياً على مرتفعات علي الطاهر، بالتوازي مع ضغط دبلوماسي وسياسي.
بمعنى آخر، الاحتلال يحاول أن يقول للبنانيين: كلما تأخرتم في تنفيذ الشروط التي نريدها، سأغيّر الخريطة على الأرض.
وهذه سياسة إسرائيلية معروفة: خلق الأمر الواقع أولاً، ثم تحويله إلى ورقة تفاوضية ثانياً.
لذلك المقاومة تنظر إلى المسألة باعتبارها أبعد من منشأة أو تلة. القضية هي منع إنشاء قاعدة تقول إن إسرائيل تستطيع كلما تعثرت المفاوضات أن تتقدم عسكرياً، ثم تطالب لبنان بالتفاوض على كيفية إخراجها.
س2- إلى أي مدى يمكن أن يشكل التقدم باتجاه النبطية محاولة لتوسيع نطاق المناطق التي يريد الاحتلال فرضها كأمر واقع؟
هذه ربما أخطر نقطة في التطورات الحالية.
لأن الانتقال من الشريط الحدودي إلى عمق منطقة النبطية يحمل دلالة جغرافية واستراتيجية مختلفة تماماً. الغارات الأخيرة استهدفت مرتفعات علي الطاهر ومحيط كفررمان، أي أن مركز الضغط الميداني لم يعد محصوراً بالنقاط الحدودية التقليدية.
ومن زاوية المقاومة، الخشية ليست فقط من احتلال تلة علي الطاهر، بل من تحويل علي الطاهر إلى سابقة.
اليوم علي الطاهر، وغداً قد تظهر منطقة أخرى يقال إن فيها منشأة عسكرية أو إنها تشكل خطراً أمنياً على إسرائيل.
وهكذا ننتقل تدريجياً من مفهوم «منطقة أمنية» ملاصقة للحدود إلى مفهوم أخطر هو «الأمن الإسرائيلي المتحرك داخل الأراضي اللبنانية»؛ أي أن إسرائيل هي التي تحدد جغرافياً أين تبدأ متطلباتها الأمنية وأين تنتهي.
لذلك المعركة حول علي الطاهر ليست، في هذه القراءة، معركة على تلة فقط، وإنما على الخط الذي سيتوقف عنده التوسع الإسرائيلي.
فإذا أصبح الاحتلال قادراً على فرض أمر واقع عسكري شمال الليطاني، فإن قواعد اللعبة كلها تصبح مختلفة.
س3- هل يستطيع الضغط الأميركي فعلياً إلزام الاحتلال بوقف اعتداءاته والانسحاب، أم أن الميدان هو الذي يحدد مسار التفاوض؟
التجربة حتى الآن تجعل المقاومة شديدة التشكيك في ذلك.
الولايات المتحدة تستطيع ممارسة ضغط على إسرائيل عندما تتخذ قراراً سياسياً بذلك؛ وقد ظهر وجود خلاف علني عندما انتقدت واشنطن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بشأن البقاء في جنوب لبنان. لكن بعد ذلك أعلن الوزير نفسه أن إسرائيل لن تنسحب حتى يُنزع سلاح حزب الله.
وهنا السؤال الذي تطرحه المقاومة بسيط: إذا كانت واشنطن هي الضامن، فلماذا لم تستطع حتى الآن ضمان وقف الاعتداءات والانسحاب الكامل؟
بل إن المسار الحالي يكشف مفارقة أكبر: الضغط الأميركي الفعلي يبدو، من وجهة نظر المقاومة، أشد على بيروت لتقديم خطوات تتعلق بسلاح المقاومة وانتشار الجيش مما هو على إسرائيل للانسحاب.
لذلك ترى المقاومة أن الدبلوماسية من دون توازن قوة تتحول إلى تفاوض تحت الضغط.
وهذا لا يعني أن المقاومة ترفض التفاوض السياسي الغير مباشر من حيث المبدأ، وإنما تقول إن التفاوض يصبح منتجاً عندما يعرف الطرف الآخر أن لديه كلفة إذا تجاوز الحدود.
في السياسة الدولية، المفاوضات لا تجري في فراغ؛ الطاولة تعكس ميزان القوى الموجود خارج الغرفة.
س4- ماذا يعني استمرار تصعيد الاحتلال بالنسبة إلى مستقبل السيادة اللبنانية وموازين القوى في أي جولة تفاوضية مقبلة؟
هنا نصل إلى جوهر المشكلة.
المعركة لم تعد فقط حول سلاح حزب الله، بل حول تعريف السيادة اللبنانية نفسها.
فهل السيادة تعني حصراً أن يكون السلاح بيد الدولة اللبنانية؟ بالتأكيد هذا جزء أساسي من مفهوم الدولة. لكن هنا يطرح السؤال المقابل: ماذا عن الطائرات الإسرائيلية التي تخترق الأجواء؟ وماذا عن القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية؟ وماذا عن الاغتيالات والغارات والتهديد باحتلال مناطق جديدة؟
لا يمكن، وفق هذه الرؤية، أن تكون السيادة مطلباً يُطبّق على اللبناني فقط بينما يُستثنى منه الاحتلال الإسرائيلي.
وهنا تكمن خطورة استمرار التصعيد قبل المفاوضات.
إسرائيل تريد أن تصل إلى الجولة المقبلة وهي تقول: أنا أملك التفوق الجوي، وأستطيع القصف، وأستطيع التقدم، وأستطيع أن أهدد بالمزيد؛ وبالتالي تفاوضوا معي انطلاقاً من هذه الوقائع.
أما المقاومة فتحاول منع تحول هذا التفوق العسكري إلى تفوق سياسي دائم.
لذلك فإن ما يجري في الجنوب اليوم هو في الحقيقة معركة على موقع لبنان في المفاوضات المقبلة.
إذا دخل لبنان المفاوضات فيما إسرائيل تحتل الأرض وتواصل القصف وتفرض شروطاً جديدة، فسيتحول التفاوض من البحث في كيفية انسحاب الاحتلال إلى البحث في ماذا يريد لبنان أن يقدم لكي ينسحب الاحتلال.
وهذا هو الانقلاب الذي تخشاه المقاومة.
فالهدف، من وجهة نظرها، يجب أن يبقى واضحاً: الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات واستعادة السيادة أولاً، ثم معالجة القضايا اللبنانية الداخلية بالحوار اللبناني، لا تحت الطائرات الإسرائيلية ولا تحت التهديد باجتياح جديد.
ولهذا يمكن اختصار الموقف بجملة واحدة:
الخطر ليس فقط أن تحتل إسرائيل تلة جديدة؛ الخطر أن تنجح في تحويل كل احتلال جديد إلى ورقة تفاوض، وكل غارة إلى وسيلة ضغط، وكل تهديد إلى شرط سياسي. عندها لا تعود المفاوضات طريقاً لإنهاء الاحتلال، بل يصبح الاحتلال نفسه أداة لتحسين شروط المفاوضات.
الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/ali-altaher-wa-alnabatiyeh