منصة عربية مستقلة للتحليلات السياسية والفكرية
الوعي
مقالات الوعي

إيران متحررة أم شرق أوسط بلا قطب واحد؟

د. أكرم شمص3 سبتمبر 2026

في الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه السلسلة، لا بد من وضع كل الخيوط التي تناولناها سابقاً في سياق واحد: هل نشهد فعلاً ولادة قوة إقليمية جديدة تتصدر المشهد مكان الولايات المتحدة، أم أن ما يجري هو نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية بمعناها الواسع، لصالح واقع أكثر تعدداً وتعقيداً؟

المسار الفكري الذي قادنا إلى هذا السؤال مرّ بأربع محطات: "شات ومات" الذي أظهر حدود القوة الأميركية حين تصطدم بإرادة الصمود؛ تراجع منسوب الثقة بالمظلة الأميركية لدى حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة، الذين باتوا يعيدون حساباتهم بعيداً عن افتراض الحماية المطلقة؛ الأهمية الاستراتيجية المتصاعدة لمضيق هرمز كنقطة اختناق يصعب لأي طرف التحكم بها منفرداً؛ وأخيراً فكرة "إيران المنفلتة" التي يروّج لها البعض كوصف لواقع ما بعد المواجهة.

غير أن القراءة الأدق، في تقديري، لا تكمن في تضخيم فرضية "الصعود الإيراني" كما لو أن طهران باتت القوة المهيمنة الجديدة. فالوقائع الميدانية والاقتصادية لا تدعم هذا الاستنتاج بإطلاقه. ما حدث فعلياً هو أن إيران، عبر الصمود في مواجهة عسكرية مباشرة، اكتشفت - وأظهرت للعالم - حدود القوة الأميركية، أكثر مما اكتشفت أو أظهرت قوتها الذاتية المطلقة.

هذا الفارق دقيق لكنه جوهري: فالحديث لا يدور عن ميزان قوى انقلب لصالح طرف على حساب آخر، بل عن نظام ردع كان قائماً على افتراض وحيد - أن واشنطن قادرة على الفعل من دون حساب رد الفعل - وقد تصدّع هذا الافتراض. اليوم، لم تعد واشنطن قادرة على اتخاذ قرارات أحادية في المنطقة من دون تقدير محسوب للكلفة، فيما اكتسبت طهران وحلفاؤها هامشاً من التأثير عبر إثبات قدرتهم على فرض أثمان حقيقية على القرار الأميركي.

من هنا تبرز فرضية أكثر دقة: أن الشرق الأوسط قد لا يكون في طريقه إلى الخضوع لهيمنة قوة إقليمية جديدة واحدة، بل إلى الانتقال من نظام القطب الواحد إلى نظام أكثر تعدداً، تتوزع فيه مراكز التأثير بين عدة لاعبين - إيران وحلفاؤها من جهة، القوى الإقليمية التقليدية من جهة أخرى، وقوى دولية أخرى تعيد حساباتها في المنطقة - بحيث لا يستطيع طرف واحد فرض قواعد اللعبة بمفرده كما كان يحدث سابقاً.

في نهاية المطاف، ربما يكون أبلغ درس يمكن استخلاصه هو أن الانتصار، في السياسة كما في الحرب، لا يذهب دائماً إلى الطرف الأكثر قوة تسليحية، بل أحياناً إلى الطرف القادر على تعطيل قدرة الطرف الأقوى على تحقيق أهدافه السياسية. وهذا بالضبط ما يجعل المرحلة المقبلة في المنطقة أكثر انفتاحاً على الاحتمالات، وأقل قابلية للتنبؤ بها وفق القواعد القديمة.

مقالات ذات صلة