سياسة

لبنان بين تصعيد الاحتلال ومفاوضات السلطة... قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم

د. أكرم شمص5 سبتمبر 2026

س1- هل يشير تصعيد الاحتلال في جنوب لبنان إلى محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل استئناف المفاوضات؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون ورقة ضغط على السلطة في ملف المقاومة والسلاح؟

بالتأكيد ولكن سأجيب كما تحدث الشيخ نعيم قاسم فأجاب عملياً عن هذا السؤال عندما قال إن «ما هو قائم اليوم ليس حرباً متبادلة بل عدوان إسرائيلي موصوف يتصاعد وينخفض»، ثم ربط هذا العدوان مباشرة بالمسار السياسي قائلاً إن مفاوضات السلطة «لم توقف الحرب بل منحتها شرعية».

وهنا بيت القصيد.

إسرائيل لا تصعّد لأنها تريد فقط توجيه ضربات عسكرية إلى حزب الله، بل لأنها تريد أن يدخل لبنان أية جولة تفاوضية مقبلة وهو تحت النار، أي أن يصبح القصف نفسه أداة تفاوض.

والدليل أن واشنطن قالت قبل أيام، على لسان سفيرها في لبنان، إن عدم التوصل إلى وقف للاعتداءات مرتبط بسلاح حزب الله. أي إن هناك محاولة واضحة لصناعة معادلة تقول للبنانيين: إذا أردتم وقف الغارات، فعليكم معالجة سلاح المقاومة أولاً.

وهذه تحديداً هي المعادلة التي يرفضها حزب الله على لسان امينه العام الشيخ نعيم قاسم عندما يقول:

«ضحّينا كثيراً ولن نخسر، والخسارة تكون عندما نستسلم ونعطيهم بأيدينا فيأخذوا كل شيء».

بمعنى آخر: المقاومة تعتبر أن إسرائيل تحاول أن تحصل بالضغط السياسي والنار على ما لم تستطع الحصول عليه بالحرب.

بل إن قول الشيخ قاسم إن إسرائيل «لا تجرؤ اليوم على إقامة مستوطنة في جنوب لبنان لأنها غير مستقرة بوجود المقاومة» يشرح معنى المواجهة الحالية: المشكلة ليست فقط في قدرة إسرائيل على القصف أو الدخول، وإنما في قدرتها على تثبيت واقع دائم على الأرض.

إذن التصعيد يحمل رسالتين: رسالة ميدانية للمقاومة، ورسالة سياسية للسلطة اللبنانية.

للجبهة الأولى يقول: نستطيع رفع كلفة بقائكم.

وللسلطة يقول: كلما تأخرتم في ملف السلاح، ستدفعون ثمناً أكبر.

ومن هنا أيضاً نفهم اتهام قاسم السلطة بأنها «تدفع البلد ثمناً في المفاوضات للبقاء على عروشها وإرضاء أميركا المتواطئة مع إسرائيل».

إذاً منطق المقاومة واضح: المطلوب ليس مجرد ضرب حزب الله؛ المطلوب دفع الدولة اللبنانية إلى القيام سياسياً بما لم تستطع إسرائيل إنجازه عسكرياً.

س2- ما دلالات الحديث الأميركي عن فتح قنوات مع حزب الله؟ تحول حقيقي أم محاولة احتواء؟

هنا التطور مهم جداً، خصوصاً أن واشنطن خرجت في الساعات الأخيرة لتقول إن الحكومة اللبنانية هي «المحاور الشرعي الوحيد» بعد أسابيع من الإشارات المتضاربة بشأن إمكان التواصل مع حزب الله.

وهذا التراجع أو التوضيح الأميركي بحد ذاته يكشف شيئاً مهماً: مجرد طرح فكرة الحديث مع حزب الله يعني أن واشنطن أدركت مشكلة أساسية وهي أنه لا يمكن صياغة تسوية تتعلق بمصير المقاومة وسلاحها من دون وجود المقاومة داخل معادلة الحل بطريقة أو بأخرى.

كانت هناك بالفعل إشارات نقلها وسطاء عن استعداد أميركي محتمل لفتح قناة تواصل مع الحزب، كما ظهرت مواقف أميركية تقول إن أي تسوية قابلة للحياة يجب أن تأخذ موقف الحزب وإيران في الاعتبار، حتى لو أصرت واشنطن رسمياً على أن التواصل يجري مع الدولة اللبنانية.

لكن هل يعني ذلك أن أميركا غيرت استراتيجيتها تجاه حزب الله؟

لا.

وهنا نستطيع العودة مباشرة إلى كلام الشيخ نعيم قاسم عندما قال إن هناك «مشروعاً أميركياً إسرائيلياً عدوانياً للسيطرة على المنطقة وتفتيتها تواجهه إيران وقوى المقاومة».

أي أن الحزب لا يرى الولايات المتحدة وسيطاً محايداً.

بل قال أكثر من ذلك: «أميركا متواطئة مع إسرائيل».

لذلك، من وجهة نظر المقاومة، أي تواصل أميركي يجب ألا يُقرأ باعتباره اعترافاً سياسياً بالحزب أو انقلاباً أميركياً في الموقف، وإنما باعتباره انتقالاً من محاولة كسر حزب الله إلى محاولة احتوائه.

بمعنى آخر: عندما لم ينجح الضغط العسكري والعقوبات والضغط على السلطة في إنتاج استسلام، قد تصبح واشنطن مستعدة لأن تسأل: هل يمكن الحصول بالتفاوض على جزء مما لم نستطع أخذه بالقوة؟

والموقف الأميركي الرسمي الحالي يؤكد أن الهدف لم يتغير؛ ففي 29 آب أعلنت واشنطن بوضوح أن المطلوب هو نزع سلاح حزب الله.

إذن التغيير، إذا حصل، سيكون في الأداة وليس في الهدف.

وهنا يمكن للمقاومة أن تقلب السؤال على الأميركي:

أنتم تريدون الحديث عن السلاح؟

فلنتحدث أولاً عن الاحتلال.

عن النقاط المحتلة.

عن الغارات.

عن الأسرى.

عن السيادة اللبنانية.

عن خرق الأجواء.

ثم بعد معالجة سبب وجود المقاومة، يمكن للبنانيين أنفسهم أن يناقشوا استراتيجية دفاعية.

وهذا يتطابق تماماً مع قول الشيخ قاسم:

«نحن في حالة مواجهة وسنبقى صامدين ونقبل بتطبيق اتفاق 27 تشرين 2024 تحت سقف القرار 1701 ولا شيء آخر».

أي أن الحزب لا يقول إنه يرفض التسويات؛ بل يقول إنه يرفض إعادة كتابة شروط التسوية لمصلحة إسرائيل.

س3- كيف نقرأ الموقف الإيراني الذي يربط أي تفاهم مستقبلي مع الولايات المتحدة بوقف الحرب على لبنان؟

هذا السؤال أجاب عنه الشيخ نعيم قاسم أيضاً بوضوح لافت عندما قال:

«لولا إيران ومذكرة التفاهم لما انخفض» العدوان الإسرائيلي.

هذه ليست جملة عابرة.

هو يقول عملياً إن لبنان أصبح جزءاً من معادلة الردع الإقليمية.

وهذا يتقاطع تماماً مع الموقف الإيراني المعلن. ففي 28 آب قال محسن رضائي إن من شروط إيران في أي تفاهم مع واشنطن أن تنتهي الحرب في لبنان وأن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها، وأضاف أن بيروت والضاحية بالنسبة إلى طهران «خط أحمر».

وكانت إيران قد أكدت منذ تفاهم حزيران أن وقف العمليات العسكرية في لبنان جزء من مفهومها للتفاهم الإقليمي مع واشنطن.

إذاً لبنان دخل بالفعل في الحساب الاستراتيجي الأميركي–الإيراني.

لكن يجب الحذر هنا من العبارة التي يستخدمها خصوم المقاومة: «إيران تفاوض على لبنان».

هناك فرق كبير بين أن تبيع إيران لبنان على طاولة المفاوضات، وبين أن تقول للولايات المتحدة:

لا تستطيعون الحصول على تهدئة إقليمية مع إيران فيما إسرائيل تواصل ضرب لبنان.

وهذه هي المسألة.

إيران تحاول أن تقول إن الأمن أصبح مترابطاً:

لا أمن في الخليج منفصلاً عن لبنان.

ولا تفاهم في هرمز بينما تستمر الحرب في الجنوب.

ولا يمكن مطالبة طهران بخفض التصعيد بينما حلفاؤها يتعرضون للاستهداف.

وهذا يتطابق مع خطاب الشيخ قاسم الأوسع حول الوحدة الإسلامية عندما قال إن المطلوب أن تصبح المنطقة «آمنة بالتفاهم بين دولها» وأن تتجه إلى «العدو الحقيقي والخروج من الصراعات البينية».

أي أن المقاومة وإيران تطرحان تصوّراً مختلفاً للأمن الإقليمي: الأمن لا تصنعه المظلة الأميركية، وإنما توازن القوى والتفاهم بين دول المنطقة.

وهذا ما يجعلنا أمام مستويين متداخلين:

إقليمياً: إيران تستطيع المساهمة في وقف الحرب على لبنان.

لبنانياً: مستقبل المقاومة والسلاح يجب أن يعالج ضمن معادلة لبنانية تحفظ السيادة.

س4- بعد رفض حزب الله اتفاق الإطار وتمسكه باتفاق 27 تشرين والـ1701، هل ما زالت التسوية ممكنة أم نحن ذاهبون إلى مواجهة أوسع؟

هنا كلام الشيخ نعيم قاسم شديد الوضوح ولا يحتاج إلى اجتهاد:

«نحن ضد اتفاق الإطار وندعو إلى إسقاطه فهو غير شرعي وغير قانوني ومذل ويدمر السيادة اللبنانية ولا يسترد الحقوق».

وفي المقابل قال:

«نقبل بتطبيق اتفاق 27 تشرين 2024 تحت سقف القرار 1701 ولا شيء آخر».

إذن الحزب ليس ضد الاتفاق؛ بل لديه اتفاق يعتبره مرجعية.

وهذه نقطة سياسية شديدة الأهمية.

فالمقاومة تقول للسلطة: نحن وافقنا على اتفاق 27 تشرين، وطبقناه من جهتنا، فلماذا انتقلتم إلى اتفاق جديد بينما إسرائيل لم تنفذ الاتفاق السابق؟

بل الشيخ قاسم قال صراحة:

«لا نريد الحرب، والدليل موافقتنا على اتفاق 27 تشرين 2024 والتزامنا به».

إذاً من داخل منطق المقاومة، طريق التسوية موجود وواضح:

تطبيق الاتفاق الموجود.

وقف الاعتداءات.

الانسحاب الإسرائيلي.

عودة الأسرى.

تطبيق الـ1701.

ثم يأتي النقاش اللبناني الداخلي.

أما اتفاق الإطار الذي وافقت الحكومة على أهدافه، فيتضمن صراحة إنهاء الوجود المسلح للجهات غير الحكومية بما فيها حزب الله، مقابل عملية انسحاب إسرائيلية تدريجية وترتيبات أخرى.

وهنا الاعتراض المركزي للمقاومة:

لماذا تريدون من لبنان أن يقدم جوهر ورقته أولاً، بينما تبقى إسرائيل محتلة وتملك حرية العدوان؟

ومن هنا جاءت عبارة الشيخ قاسم الأقسى:

«من الذي فوضكم التنازل عن السيادة؟»

هو يريد أن يقول إن الحكومة لا تملك ـ من وجهة نظر الحزب ـ تفويضاً بتحويل التفاوض من تفاوض حول انسحاب إسرائيل إلى تفاوض حول تفكيك عناصر القوة اللبنانية.

فهل نحن ذاهبون إلى حرب أوسع؟

ليس بالضرورة.

بل كلام الشيخ قاسم نفسه يضع باباً للحل، لكنه يضع أيضاً خطاً أحمر.

الباب هو:

27 تشرين + 1701 + وقف العدوان + الانسحاب.

أما الخط الأحمر فهو:

لا اتفاق جديداً يفرض نزع سلاح المقاومة تحت النار.

ولهذا قال:

«نحن باقون في الميدان ولن نقبل بالمشاريع التي يتحدثون عنها».

وهنا يجب الانتباه إلى العبارة الأخرى:

«كسرنا مشروع إسرائيل الكبرى ومنعناها من الوصول إلى بيروت وتجريد لبنان من قوته».

أي أن المقاومة تعتبر المسألة وجودية وليست مجرد خلاف على بضعة مواقع جنوبية.

وفق قراءتها، إسرائيل تريد لبنان ضعيفاً، بلا قدرة ردع، لكي يصبح قرار الحرب والسلم الإسرائيلي بلا كلفة.

ولذلك فإن فرصة التسوية موجودة، لكنها تحتاج إلى قلب ترتيب الأولويات:

ليس: سلّموا السلاح لكي تنسحب إسرائيل.

بل: أوقفوا العدوان، انسحبوا من لبنان، طبقوا الاتفاقات، وعندها يستطيع اللبنانيون الجلوس إلى طاولة حوار حول استراتيجية الدفاع ومستقبل السلاح.

الخلاصة

إذا أردنا أن نقرأ الأسئلة الأربعة بكلمة الشيخ نعيم قاسم نفسها، فإن جوابه السياسي كان تقريباً واضحاً:

إسرائيل تصعّد لكي تحوّل النار إلى تنازلات.

أميركا قد تتحدث عن الحوار، لكن هدفها حتى الآن لم يتغير وهو احتواء المقاومة والوصول إلى سلاحها.

إيران تقول إن لبنان لن يُترك خارج أي معادلة إقليمية لوقف الحرب.

وحزب الله يقول للدولة اللبنانية: نحن لا نرفض التسوية، نحن نرفض الاستسلام تحت اسم التسوية.

وهنا تصبح عبارته: «سنستمر على نهج إمام المقاومة السيد موسى الصدر ونهج سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله» ليست مجرد وفاء لمرحلة سابقة.

إنها إعلان عن استمرارية العقيدة السياسية للمقاومة: إسرائيل هي الخطر، الوحدة الداخلية ضرورة، والدولة مطلوبة، ولكن الدولة القوية هي التي تسترد أرضها قبل أن تتنازل عن عناصر قوتها.

ولهذا ربما تختصر الجملة الأخيرة للشيخ نعيم قاسم كامل الموقف:

«سنبقى رافعي الرأس ولن نستسلم وليفعلوا ما يشاؤون».

أي إن الرسالة ليست: نحن نريد الحرب.

الرسالة هي: نحن نريد تسوية، لكن لن نشتري وقف الحرب بثمن يجعل لبنان أعجز في اليوم التالي عن منع حرب جديدة.

وهذا هو جوهر الصراع اليوم: ليس على وقف إطلاق النار فقط، بل على شكل لبنان الذي سيخرج من وقف إطلاق النار: لبنان يمتلك عناصر قوة وردع، أم لبنان تُنزع أوراقه أولاً ثم ينتظر الضمانات من خصمه.

الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/lubnan-bayna-tasid-alihtilal-wa-mufawadat-alsulta