سياسة
قراءة في العقل العقائدي الذي يخطّط للحرب على إيران
السؤال الخاطئ والسؤال الصحيح
منذ شهور والمواطن العربي يعيش على إيقاع نشرات الأخبار المتناقضة: يومٌ تُبشّره بضربة ساحقة قد تصل إلى حدّ النووي، ويومٌ تعده باتفاق وشيك يُنهي الحرب. واشنطن تقصف ثم تفاوض، تفاوض ثم تقصف، والرئيس الأميركي يعلن أنّ المحادثات بلغت «مراحلها الأخيرة»، ثم يعود ليقول إنه «ليس على عجلة» من توقيع أيّ اتفاق، فيما يلوّح بموجة ضربات جديدة بعد الانتخابات النصفية.
في هذا الضجيج يُطرح السؤال نفسه كل يوم: هل ستضرب أميركا إيران؟ وهو في رأيي السؤال الخاطئ. فالضرب حاصل، والتفاوض حاصل، وكلاهما أداتان في يدٍ واحدة. السؤال الصحيح هو: إلى متى ستستمر الجولة المقبلة من الحرب؟ ومتى يُفترض أن تنتهي وفق من يخطّط لها؟
والجواب لا نجده في غرف الأخبار، بل في مكانٍ آخر تمامًا: في العقل العقائدي الذي يقف خلف القرار في واشنطن وتل أبيب. فإذا فهمنا كيف يفكّر هذا العقل، وبأيّ أرقام يقيس الزمن، صار بإمكاننا أن نقرأ توقيت حروب المنطقة بعيدًا عن التضليل.
طبخة مشتركة: ترامب ونتنياهو منذ 2016
لنبدأ من نقطة التقاطع. حين فاز دونالد ترامب بالرئاسة أواخر عام 2016 كان بنيامين نتنياهو في الحكم، وتزامن وجود الرجلين في السلطة. ومنذ تلك اللحظة بدأ ما يمكن تسميته مرحلة تحضير الأرضية. لم تكن تلك السنوات سنوات سلام كما بدت، بل سنوات تمهيد منهجي:
2018: نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإطلاق سياسة «الضغط الأقصى».
2019: الاعتراف الأميركي بـ«السيادة» الإسرائيلية على الجولان المحتل.
2020: اغتيال قاسم سليماني، وإعلان «صفقة القرن»، ثم «اتفاقات أبراهام» التي أعادت رسم خريطة التحالفات حول إسرائيل.
كانت هذه الخطوات، في قراءتنا، هندسةً للمسرح قبل رفع الستارة. ثم جاء عام 2023 لتبدأ الحرب الفعلية على الجبهات تباعًا: غزة، ثم لبنان، ثم الضربات المباشرة على إيران عام 2025، ثم الحرب المفتوحة عليها عام 2026.
إذا عددنا السنوات نجد نمطًا لافتًا: سبع سنوات من التخطيط (2016–2023)، تليها سبع سنوات من التنفيذ (2023–2030). قد يبدو ذلك مصادفة حسابية، لكنه يصبح أقلّ مصادفةً حين نعرف من أين جاءت الفكرة أصلًا.
ليست فكرتهما: التيار التدبيري ومخطّط ما قبل إسرائيل
ترامب ونتنياهو لم يخترعا هذا المخطّط. فجذوره أقدم من دولة إسرائيل نفسها، وتعود إلى ما يُعرف بـ«التيار التدبيري» (Dispensationalism) في البروتستانتية الأميركية، وهو التيار الذي أسّس لما نسمّيه اليوم الصهيونية المسيحية.
في القرن التاسع عشر صاغ الواعظ البريطاني جون نلسون داربي تصوّرًا يقسّم التاريخ إلى «تدبيرات» إلهية متعاقبة، ويجعل عودة اليهود إلى فلسطين شرطًا لازمًا لاكتمال نبوءات آخر الزمان. ثم انتشر هذا التصوّر في أميركا انتشارًا واسعًا، ولا سيّما بعد صدور «إنجيل سكوفيلد المرجعي» عام 1909، الذي حمل هذه التفسيرات في هوامشه إلى ملايين البيوت. وقبل ذلك، عام 1891، كان «مذكّرة بلاكستون» قد طالبت الرئيس الأميركي بإعادة فلسطين لليهود. أي أنّ المشروع رُسم لاهوتيًا في أميركا قبل أن يُرسم سياسيًا في فلسطين.
هذا التيار ليس هامشيًا. إنه اليوم إحدى أكبر الكتل الانتخابية الداعمة لترامب، وحاضر في مفاصل إدارته وفي تمثيلها الدبلوماسي لدى إسرائيل. ومن هنا الأهمية: حين يكون أصل المخطّط عقائديًا، تصبح أرقامه ورموزه جزءًا من منطقه، لا تفاصيل هامشية.
الرقم سبعة: رقم البداية والنهاية
في المنظومة العقائدية التوراتية، الرقم سبعة هو رقم الاكتمال: الخلق اكتمل في سبعة أيام، والسبت سابع الأيام، والسنة السابعة سنة «الشميطا»، وبعد سبعة أسابيع من السنين، أي سبعة في سبعة = تسعة وأربعون، تأتي سنة «اليوبيل».
أما في التيار التدبيري تحديدًا، فالرقم سبعة هو قلب السيناريو كله. فهم يفسّرون «الأسبوع السبعين» في سفر دانيال بأنه سبع سنوات من «الضيقة العظيمة» تسبق النهاية، وتنقسم إلى نصفين، ثلاث سنوات ونصف لكلٍّ منهما، يقع في منتصفهما التحوّل الحاسم.
لذلك فإنّ تكرار الرقم سبعة في هذه الحروب ليس تفصيلًا، بل سرّ التوقيت: سبعة للتخطيط وسبعة للتنفيذ، بداية ونهاية. ومن اللافت، ضمن هذا المنطق نفسه، أنّ منتصف «أسبوع التنفيذ» الذي بدأ في خريف 2023 يقع في عام 2027.
إرميا 49: «قوس عيلام» وعام الحسم
وهنا نصل إلى التفصيلة الأهمّ، تلك التي تخبرنا بشكل الحرب على إيران ومتى يُراد لها أن تنتهي. في سفر إرميا، الإصحاح التاسع والأربعين، نبوءة عن «عيلام»، وهي المملكة القديمة التي قامت على أرض إيران الحالية:
«هأنذا أُحطّم قوسَ عيلام، أوّلَ قوّتهم... وأجعل كرسيّي في عيلام، وأُبيد من هناك الملك والرؤساء» (إرميا 49: 35–38)
في القراءة العقائدية المعاصرة، عيلام هي إيران، والقوس هو قوّتها: صواريخها وبرنامجها وأذرعها، أي نفوذها الإقليمي. و«إبادة الملك والرؤساء» تعني إسقاط النظام. ولم يعد هذا كلامًا في الكتب؛ فمنذ الضربات على إيران عام 2025 يتداول وعّاظ إنجيليون أميركيون هذا النص علنًا بوصفه نبوءةً تتحقّق أمام أعينهم.
فأين التوقيت؟ تأمّلوا التطابق: النبوءة في الإصحاح التاسع والأربعين، والتسعة والأربعون هي سبعة في سبعة، رقم اكتمال الدورة واليوبيل. والجمهورية الإسلامية في إيران قامت في شباط 1979، أي أنّ عامها التاسع والأربعين يمتدّ من شباط 2027 إلى شباط 2028. وبحسب هذا المنطق، فإنّ الحرب على «القوس» يجب أن تُحسم داخل هذا العام، بحلول خريف 2027.
قد يقول قائل إنّ هذا كلّه مصادفة. لكنّ من يدرس فكر هذا التيار يعرف أنّ أصحابه لا يتركون الأرقام للمصادفة، بل يقرأون التاريخ ويصنعونه على إيقاع النصّ.
التحدّي المقابل: «إن أرادوها حربًا دينية فنحن لها»
اللافت أنّ هذا البعد العقائدي لم يكن خافيًا على الطرف الآخر. ففي 30 نيسان 2022، قبل عام ونصف من «طوفان الأقصى»، وقف يحيى السنوار في غزة وأعلن صراحةً أنّ المساس بالأقصى والقدس يعني حربًا دينية إقليمية، وأنّ المقاومة لن تتردّد في اتخاذ أيّ قرار حين يتعلّق الأمر بالمقدّسات.
كان السنوار، في قراءتنا، يقول لنتنياهو: قبلنا التحدّي بقواعدكم أنتم. إن أردتم ترتيب الحرب على إيقاع نصوصكم الدينية، فنحن ندخلها على إيقاع نصّنا: «وعد الآخرة» المذكور في سورة الإسراء، الذي تؤمن حماس بأنه وعدٌ بزوال الكيان. أي أنّ المواجهة صارت، في عمقها، منازلة بين نبوءتين: من يثبت أنّ نصّه هو الصادق؟
هذا النوع من التحدّي بين العقائديين يبدو غريبًا على المحلّل السياسي التقليدي، لكنه سهل الفهم جدًا لمن يدرس فكر الطرفين. فالحرب هنا ليست صراع مصالح فقط، بل صراع روايات عن نهاية التاريخ.
الجواب: إلى متى ستستمرّ الجولة المقبلة؟
نعود الآن إلى السؤال الأساسي. إذا سارت واشنطن وتل أبيب وفق جدولهما الزمني، ومن دون أن يوقفهما تهديد حقيقي، فإنّ ما يجري ليس سلسلة ضربات متفرّقة ولا مفاوضات متعثّرة، بل مسار واحد هدفه التخلّص من نفوذ إيران ومن نظامها خلال عامه التاسع والأربعين، أي بحلول خريف 2027.
وهذا يغيّر طريقة قراءتنا للأخبار كلّها:
الضربة والاتفاق ليسا نقيضين، بل أداتان في جدول واحد: الضربة تُضعف «القوس»، والتفاوض يكسب الوقت ويفرض الشروط، كتسليم اليورانيوم المخصّب.
التهدئات المؤقّتة استراحات تكتيكية لا نهايات للحرب، وكلّ اتفاق جزئي سيُقرأ في واشنطن بوصفه مرحلة لا خاتمة.
الجولة المقبلة لن تكون الأخيرة، بل حلقة في سلسلة تمتدّ حتى الموعد الذي رسمه النص، ثم تُستكمل حتى نهاية «أسبوع التنفيذ» عام 2030.
ما الذي قد يكسر الجدول؟ حدود هذه القراءة
الأمانة البحثية تقتضي أن نقول إنّ هذه القراءة تكشف منطق المخطّط، لا حتمية نتائجه. وثمّة عوامل جدّية قد تكسر الجدول أو تؤخّره:
الحسابات الدنيوية لا تقلّ وزنًا: أسعار النفط، والانتخابات النصفية، وكلفة الحرب على الاقتصاد الأميركي، وطبع ترامب التجاري الميّال إلى «الصفقات»، كلّها تدفع أحيانًا عكس اتجاه النص. ويرى كثير من المحلّلين أنّ هذه العوامل هي المحرّك الفعلي للقرار، وأنّ النبوءات مجرّد خطاب تعبوي.
النصّ نفسه ليس محلّ إجماع: كثير من اللاهوتيين المسيحيين أنفسهم يرون أنّ نبوءة عيلام تحقّقت تاريخيًا قبل أكثر من ألفي عام، وأنّ إسقاطها على إيران الحالية قراءة متعسّفة. بل إنّ الإصحاح ذاته ينتهي بوعدٍ بـ«ردّ سبي عيلام في آخر الأيام».
قدرة الخصم على الصمود: النظام الإيراني صمد أمام عقود من العقوبات والحروب، ونجاة «القوس» أو جزء منه كفيلة بإسقاط الموعد كلّه.
التهديد الذي يوقف الجدول: وهو الشرط الذي وضعناه منذ البداية. فإذا ارتفعت كلفة الحرب إقليميًا ودوليًا، على الخليج أو على الملاحة أو على مصالح الصين وروسيا، فقد يُجبر أصحاب المخطّط على تعديله مهما كانت قداسته عندهم.
خاتمة
لا أدعو القارئ إلى تصديق النبوءات، بل إلى فهم من يصدّقها ويحكم بها. فحين يكون صانع القرار في أقوى دولة في العالم محاطًا بتيار يقرأ الجغرافيا السياسية بعيون سفر إرميا وسفر دانيال، يصبح تجاهل هذا البعد سذاجةً تحليلية.
الأخبار ستواصل تأرجحها بين «الضربة النووية» و«الاتفاق التاريخي». أما من يريد أن يعرف إلى أين تمضي المنطقة، فعليه أن يضع ساعته على توقيتٍ آخر: سبعة للتخطيط، وسبعة للتنفيذ، وتسعة وأربعون لحسم «القوس». والسؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس متى ينتهي جدولهم، بل: هل تملك المنطقة ما يكفي لكسره قبل أن يكتمل؟
الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/sirr-al-raqm-sabaa-wa-tawqit-hurub-almintaqa